كتابات مسمارية في مفكرة إنسان آشوري

(سـميـل)..(1) *

 

       المجزرة، الجرح في القلب والخاصرة.  

 

 

 

                                                   إبـراهيم بادل

 

 

   

                                                                                      (2)

 

 

*) إلى الذين قتلوا في (سميل) بوحشية وهمجية في ذكراهم الخامسة والسبعين.. أدعو الإنسان الآشوري إلى الرقص إن استطاع، إلى الغناء إن استطاع، إلى الفرح إن استطاع، وإلا !... فأدعوه إلى النضال إلى الموت، إلى الحرية..

 

 

 

 

* ســـــؤال:

أيها الناس هل رأيتم الرب(3) ؟.

من منكم رآه ؟. من منكم (كليمه) ؟..

ومن منكم الجالس على يمينه، والمصطفى

آخر نبييه.

 

 

* جــــــواب:

 

سألت عنه، أهلي..

قالوا: في (سميل) منذ نصف قرن وأكثر توارى الرب خائفاً وجلاً من بشاعة وفظاعة وهول الموت.

وسألت عنه أهل اليابان..

قالوا: في يوم القيامة منذ زمن، سقط الرب في (هيروشيما وناغازاكي) حيث انفجر الجحيم، وركع الإنسان يومئذٍ: خاشعاً، ساجداً، متعبداً.

أيها الناس، منذ ذلك الوقت قررت البحث عن الحقيقة. 

 

 

 

* اليوم الأول في التكوين:

 

تساءلت: أين أنت أيّها الرب ؟

لقد بحثت عنك بين النجوم والكواكب والمجرّات وبحثت في وجه القمر وفي عين الشمس..

وبحثت عنك في الأنهار والبحار والمحيطات وفي البراري والسهول والوديان وفوق قمم الجبال.

وبحثت عنك في الغابات وفي الحقول وبين سنابل القمح، في البساتين وفي الحدائق وكروم العنب وتحت أشجار الزيتون، ولكن... أين أنت أيّها الرّب ؟.

 

* اليوم الثاني:

 

لقد بحثت عنك في المعابد والكنائس والمساجد وسألت عنك جموع المصلين وفتشت في وجوههم وفي عيونهم وفي شفاههم..

قالوا لي: لا تكفر، إن الرب أرحم الراحمين.

قلت: من كان منكم بلا خطيئة فليرجمني، بحجر..

وبحثت.. وبحثت.. وبحثت.

ولكن... أين أنت أيها الرب، يا أرحم الراحمين ؟

هكذا تعلمنا منذ الصغر.. أنك موجود في كل مكان وزمان.  

 

 

 

* اليوم الثالث:

 

منذ زمن كنت شاباً غضاً، لم أكن أعرف سوى الحب واسم الرب، كان قلبي ينبض بالحب ويخفق له، وكنت أحس بوجود الرب في كل مكان.. كنت أراه في وجوه الأطفال وفي عيون الصبايا وفي ابتسامات الشباب، في كل الوجوه والعيون والشفاه.

 

* اليوم الرابع:

 

ذات يوم. كتبت في دفتر صغير، هل يجب علينا أن نَقتُل قبل أن نُقتل ؟.

نصحني صديق أن أمزق هذه الصفحة من دفتري: لأنها تتحدث عن الجريمة، ولأن العالم غارق في الصمت.

لكني أبقيت عليها، وأضفت إليها: نحن أصحاب حق.. أو هل نرضى أن تُكسر عظامنا ؟. هل نقبل أن تهدم بيوتنا ؟. هل نرضى أن تُسلب أرضنا ؟. هل نقبل أن يحل بنا الخراب والدمار؟. هل نسكت ؟. هل نصمّ آذاننا كما العالم غارق في الصّمت ؟.

 

* اليوم الخامس:

 

قالوا: إن الرب قد خصنا بأرض الميعاد..

وقالوا: حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل..

وقالوا: بنو إسرائيل (شعب الله المختار)..

وقالوا: هذا ما جاء في (التوراة).

ولإيماننا بالله(وكتبه المقدسة).. صدقنا هذه الأقوال، وعملنا على تكريسها وترسيخها في القلوب والعقول منذ زمن بعيد غارق في البعد.. ولكن كانوا يكذبون، وكانوا يزورون ويشوهون، وكانوا يقتلون ويحرقون ويدمّرون.. لأن هذا ما كتبوه في التّوراة !.    

 

* اليوم السادس:

 

مرة قالت لي جدتي: كتاب (التوراة) أنا قرأته يا بني وصدقته، لأنه لم يكن هناك من يفكر في أن يكشف عن زيفه وأكاذيبه. واستطردت قائلة: أريدك أن تقرأ (التوراة) يا بني كلما أتيح لك ذلك، لأنه يختلف في كل زمن عن الزمن الذي قبله، ولكن لا أريدك أن تصدق كل ما جاء في هذا الكتاب دون أن تفكر بعقلك لئلا يلحق بك وبأولادك من بعدك الضياع. ومنذ أن فهمت اللعبة الخطيرة التي لعبها كتاب (التوراة) في مصير البشرية، تأرجحت صورة الرب في نظري وغمرها ضباب كثيف.

 

* (قالوا): اسرق، اقتل، احرق، دمر.. واكذب، سيصدقك (العالم) وأنت تلوح بكتاب (التوراة) في يديك.

ولكنهم تناسوا أن آشور في (نينوى) وسركون في (أكاد) ونبوخذ نصر في (بابل) مازالت أسماؤهم محفورة في الصخر وأن (السبي).. آت من جديد، من نزف الدّماء آت.. من حجم الجراح، من بُعد المسافات.. من دجلة آت، من الفرات.. بسواعد الأبناء والأحفاد آت، مع ركام (الحجارة والموت).. آت، من بلاد ما بين النّهرين آت !.   

 

* (منذ): ألفي عام تقريباً، ساقوا السيد المعلم على طريق الجلجلة يحمل عذاب الإنسان وسمروه على خشبة بين لصين..

وبعد ألفي عام تقريباً، قتلوا الحب والحق والعدل والسلام.. ومات الإنسان في كل مكان.  

 

* اليوم السابع:

 

  (ارتاح من عمله في اليوم السابع)

 

* في قرى العذاب والبؤس والشقاء.. وفي مخيمات الذل والقهر والموت.. وجدتك أيها الرب - كما حدثوني عن (سميل) منذ نصف قرن وأكثر بين جثث الضحايا البريئة، والدماءُ تنزف من الجراح المثخن بها جسدك والدهشة الصاعقة في عينيك.. وحين اقتربتُ منك كنتَ تتراجع من هول وبشاعة الجريمة.. وسمعتك تصرخ في لوعة:

احرقوا (التوراة) هذا الكتاب المشوه.. يا بني البشر واكتبوا بأنفسكم في كتاب جديد.. صفحاته بيضاء ناصعة، واذكروا في البدء:

اسم الله والحب والحق والعدل والسلام والأمن والأمان. 

 

* الخاتمـــة:

 

منذ أيام التقاني صديقي، ذاك الذي حذرني من القتل، قال وفي عينيه ترتسم ألف بندقية: لقد كنت على حق فيما كتبته في دفترك، ولكن الجريمة بشعة، ونحن بشر رغم كل شيء.. واستطرد: هل تذكر... كنا أطفالاً ؟ لقد تحدث العالم كثيراً عن قنبلة (هيروشيما وناغازاكي) يومذاك ومازال. وسكت وقد اغرورقت عيناه بالدموع.

وتساءلت وانا احدث نفسي، واليوم ايها الصديق.. هل تعرف ماذا يحدث اليوم واي لعنة شريرة نواجهها اليوم؟!

وقلت له: لو أننا ومنذ البدء دافعنا عن حقنا نحن الاشوريين بغير الدّموع.. لما قتلنا في (سميل).. وفي غير سميل. ولما تفرّقنا وتشتَّتنا ولما وصل بنا الحال على ما نحن عليه، ولكن.. مع هذا أومن أنّ بعد كلّ يوم غائم شمساً ساطعة.

 

       

        هذا يوم مصبوغ بلون الدم(4)    

        صوت البكاء والالتياع خرج صارخا من الفم

        في سميل ذبحوا المواليد في حضن الام

        ارادوا قتل الاشوريين ويمحوا هذا الاسم .

 

 

 

الهوامش:


(1)  سميل قرية في شمال العراق، وقعت فيها مذبحة كبرى بتاريخ السابع من آب عام ا1933 قتل فيها وبوحشية وهمجية اكثر من ثلاثة الف انسان اشوري.. معظمهم من النساء والاطفال والشيوخ.

(2)  الصورة " قرية سميل " عن غلاف مجلة نجم بيث نهرين التي تصدر عن المركز الثقافي الاشوري في نوهدرا –  شمال الوطن -  العددان 49/50 ايلول 2006 م .

(3)  الرب كلمة سريانية.. تعني الكبير.

(4) مترجمة عن" قطرة دم" بالاشورية  -  متى شموئيل يوخنان مجلة نجم بيث نهرين العدد 36 ايلول 2002 م الصفحة 42

 

 

 

الصفحة الرئيسية