|
الشهادة من أجل القيامة
جـان هومه
ألقت نفسها في أحضان أمها وراحت تقبلّها بلهفة وشوق شديدين ، فنظرت الأم في عيون طفلتها ثم تمتمت بصوت ملؤه العاطفة - ما بك يا طفلتي الأغلى من الروح ، وأي شوق هذا الذي يغمر قلبك الحنون ؟!!! أجابت الطفلة وقد عصرت كلماتها بابتسامة تتقطر العذوبة من رقّة وشفافية أنفاسها - إني قد اشتقت إليك يا أمي ، كما اشتاقت ريشتي إلى الواني الدافئة . انظري إلى جدران غرفتي ، وتمعني بلوحاتي التي رسمتها من وحي أحلامي . - التفتت الأم إلى يمينها ومشت بخطوات ثقيلة ، ثم رحلت نظراتها إلى العالم الذي تعيشه طفلتها الصغيرة ، لتكتشف أن الروح الساكن في هذا الجسد الطفولي ، هو لغز لم تعد قادرة على حلّه ، لأن ما أبدعته هذه الطفلة من خلال تفكيرها وشعورها العميقين، هو اكبر من عمرها . وبعد تأمّل عميق ، اقتربت من لون اصفر تداخلت فيه بعض الأرقام ، منها ما هو واضح ، ومنها تلك التي شوهتها بعض الألوان النارية . وقبل أن تفيق الأم من دهشتها ، داهمها إحساس اشد قوة حين وقع بصرها على حروف متشابكة مرسومة بألوان نافرة بالأحمر الصارخ . ولأنها لا تريد لأبنتها أن تكتشف ما تفضحه دموعها ، خبأت رأسها في صدرها ، لكن الطفلة الذكية ، اقتربت من أمها وسألتها - أماه ... هل لي أن اعرف سبب حزنك الذي اقلق نفسي ؟ بأقل من الهدوء رفعت الأم رأسها والغصّة تكاد تخنق حلقها ، ثم قالت - إن ما خطّته يدك ورسمته أناملك على هذه الجدران ، يبعث الألم في صدري . لماذا كل هذا الزخم من الألوان النارية والقاتمة والبارزة كالمسامير، وأنت ما تزالين في مجد صباك !!! ؟ - لأن كل هذا الذي تجمع في أعماقي ، هو فكرك وروحك ودمك . هو أنت يا أمي . سقطت دمعة من عين الأم في راحة ابنتها وسألتها بكل الحيرة - أنا ؟!!! اندفعت الطفلة نحو صدر أمها وبكت بصوت اغتصبته الآهات والأنّات مما أثار شعور الأم لتبعد ابنتها عن حضنها ولتسألها والخوف قد لفّ كل مشاعرها بالرعب - إني أرى فيك ما يقلق فكري ويرعب روحي ويخيف قلبي ، ما بك ؟ انه مشهد لم أالفه منك طوال عمرك . قاطعتها ابنتها وأجابت بنفس تكاد تنقطع أنفاسها بين الحين والآخر . - أماه ، إن هذا العالم ، رغم شمسه ونجومه وقمره ، رغم كل ما فيه من جمال ، إلا أنني لا أراه أكثر من حلم نعيشه في النور ، فالحقيقة يا أمي هي تلك التي نراها في الحلم ونحن في الظلام . ارتجفت روح الأم في جسدها مما سمعت ، فنهضت ومشت بضع خطوات ، ثم التفتت إلى ابنتها وسألتها - ما سمعته منك يا ابنتي ، له دلالتين ، إما أن تكوني تحت سيطرة الأحلام التي لا تفارق لياليك أو انك تعيشين حالة خوف من المستقبل . - ربما تحليلك فيه بعض الصحة ، ولكن سأروي لك ما حلمت به ذاتي ليلة أمس ، ومن ثم سأسمع رأيك ، ولكن أتمنى يا أمي أن تعلمي جيدا أنني وان كنت ما أزال طفلة لا تتعدى السنوات العشر . إلا أن شعوري هو توأم شعورك ، وما هو لي هو منك . مسحت الأم دموع ابنتها وشدّتها إلى حضنها وقالت ، إني سأسمعك بقلب كله حب وحنان ثم أبعدتها عن صدرها وأكملت حديثها ... هيا يا ابنتي كلي آذان صاغية . رسمت الابنة ابتسامة يتيمة على شفتها السفلى وخبأتها في رحيق شفتها العليا ، ثم بدأت حديثها بشيء من الفرح . - قبل أن اروي حلمي أريدك أن تنظري إلى ذاك الرقم المموّه باللون الأحمر البارز ، التفتت الأم إلى الرقم الكبير ، ثم قالت ، وهذا هو الرقم الذي ادمع عيوني وقلبي وروحي . ابتسمت الابنة واقتربت من أمها وأردفت تقول - انه الرقم الذي تتجلى فيه كل المعاني السامية . كما هو أيضا الرقم الذي يعني نهاية عهد قديم وبداية عهد جديد . وهو الرقم الذي يحمل عصارة الآم يسوع . ويسوع يريدني يا أماه . يريدك ؟ ماذا تعنين ؟!!! سأروي لك الحلم ، لعلك تتقبلي رسالته لي وتعلمي لماذا يريدني .
كنت أنا مثل كل الذين كانوا يتناولون قربان الأحد ، وكنا جميعا نرتدي ثيابا بيضاء ناصعة . حتى كاهننا والشمامسة كانت ثيابهم الكهنوتية ابيض اللون . لمحتك أنت جالسة بقرب بوابة الكنيسة وبيدك بندقية ، وإذ بشاب يدنو منك ويهمس في أذنك ، ثم مدّ يده إلى يدك ورفعك لتنهضي وتتبعيه . وحين ابتعدتما ، اختفت البندقية من يدك . بل كل ما رأيته أنك تلاشيت من أمام بصري . ركعت على الأرض وخبأت رأسي بين راحتيّ ، وكانت دموعي تسيل بغزارة ، حتى شعرت بنور يسري في كل أنحاء جسدي ، رفعت رأسي لأجد الشاب الذي كان قبل قليل معك ، قد وضع يده اليمنى على رأسي ، كان وجهه أكثر نورا من نور الشمس ولكن الغريب أنني كنت استطيع رؤية ملامحه الغريبة . قال لي دون أن يتكلم ، تعالي إلي يا طفلتي . فما وجدت نفسي إلا على صدره وأنا ممتلئة بسعادة ما عرفتها في حياتي ولا أحسست بسموها من قبل . نظرت إليه والغبطة تغمرني ، فسألته من أنت ؟ أجاب وهذه المرّة بصوته الذي بدا لي وكأنه صوت قيثارة قادم من خلف الآفاق . - أنا هو من استشهد من اجل محبة العالم ، في الثالثة والثلاثين أكملت رسالة أبي السماوي من اجل خلاص الإنسان . فليكن هذا الرقم هو تاريخ استشهادك .فاني اليوم جئت أعطيك صليبي لأجل خلاص هذه الأمة ، الأمة التي مجّدت اسمي وبشّرت به في كل العالم، والتي أهدت للسماء القديسين الشهداء، لكي أكمل وعدي لكم يوم قلت : ( أبناء نينوى سيقومون ويدينون أبناء الشر ) حين أكمل جملته الأخيرة أحسست بهالة من نور حملته ورفعته إلى السماء حتى صار نجمة في وضح النهار . عصرت الأم طفلتها بشدة بين ذراعيها وقالت : - لا تخافي يا ابنتي انه مجر حلم لا ... قاطعتها الابنة - أخاف ؟!!! كيف أخاف يا أمي من الذي ما يزال كلامه يغمر نفسي بكل ما للفرح من عظمة الفكر وعذوبة الروح ونشوة القلب . سكتت الأم للحظات ، ثم حملت طفلتها وأودعتها السرير لتكسوها بأنفاسها الدافئة .
........................................
انطلقت الطفلة تركض بين الحدائق ، تلاعب أشعة شمس آب الساخنة ، وتداعب أوراق الشجر وتنتقل من مكان إلى آخر وهي تحاور الرياحين بمشاعرها الرقيقة ولمسات أناملها الطرية . سمعت صوت صهيل فرس من البعيد ، استدارت نحو مصدر الصوت لترى مشهد فارس يرتدي عباءة سوداء وعلى رأسه عمامة صفراء وهو يترجل من على فرسه لينتشل سيفه المقوّس ويتقدم نحوها بخطوات سريعة . حاولت الهروب لكنه سرعان ما ادخل أصابعه في شعرها ليملأ كفه بكتلة من خصلاته ، حتى ملأت الطفلة كل الفضاء من صراخها . وفجأة سكتت بضربة سيف على عنقها وراح السفاح ينحر رقبتها بوحشية وجنون . ثم رمى رأسها في الفضاء وهو يضحك من الأعماق إلى أن لمح امرأة قادمة من خلف التلال وهي تنادي بصوتها الذي وصل صداه إلى أعماق جبال وسهول ووديان آشور . ... سيميلى ... سيميلى ... سيميلى
قطب القاتل السفاح جبينه وتمتم لذاته ، هذا ما كنت انتظره . ثم أسرع إليها ومزّق ثوبها وشدّها إلى جسده وراح يغتصب كل قطعة من جسدها إلى أن أخذ ما تمناه ، فنهض وهو يخلع عباءته ويلقيها فوق جثة سيميلى . ثم مدّ يده إلى عمامته وألقاها في وجه الأم . تراجع نحو الخلف وهو يمسح عن ثيابه المطرّزة بألوان التاج الملكي ، التي اصطحبها معه يوم ترك مدينة الضباب . ولكنه نسي أن سيميلى ستظل وصمة عار على العباءة والعمامة وعلى ذاك التاج المصنوع بأيادي أبناء الشر . كما نسي أن سيميلى ستكون رمزا أبديا للشهادة أمام عيون التاريخ لترسم على لوح الألم علامة النصر . فالقيامة لا تولد إلا من الموت . ولأن الفرح العظيم لا يولد إلا من الألم العظيم .
|