|
مسودة صور
شميرام إسحق
لن أنسى الحكاية ما دام في الوريد قطره
سيميله
دماء اختلطت
بزرقة عيني و حياة جدتي
جدتي التي..
ما عادت تبصر غير الأحمر
من ألوان قوس القزح
بعد مطر الرصاص
و مجزرة الأرواح
في سماء
و على أرض سيميله
جدتي
تعتذر من طفولتي
كل مرة تجلسني بجانبها
لتروي لي حكاية
عمرها أكبر من عمري
و أكبر من حزنها
سيميله
أجدادي خراف ضللها إيمانها
زج بحشودها في بيوت
راح رصاص الحقد و الغل
يثقب صدورها
و راحت دماء أبناء الحضارة
تتدفق من النوافذ
تسيل تحت عتبات الأبواب
جدتي
طفلة في الثمانين
تنزف أحلاماً يانعة
تنزف دمعاً
تنزف قهراً
سيميله
إنذار... إنذار
وصل الخبر!
قافلة غيلان الموت على بعد أمتار
اهربوا أيها العزل
الطيبة لم ترخص لنا سلاحاً
نحمي به اليوم أرضاً و نفساً
بالمسيح تسلحوا و العذاب
بالشجاعة تسلحوا
و الإصرار على البقاء
فلا بد أن نبقي للصليب خميرة
و للحضارة نسلاً
اهربوا الساعة بآشوريتكم
و غداً
إن بقيتم أوفياء
ستبقى الأرض وفية
و يعترف كل حجر و أثر فيها
أنها دياركم
أنها إرثكم
جدتي
طفلة التاسعة
مرتجفة
أمها المؤمنة بالرحمة
أمام حوافر خيول الأوغاد
راكعة
تساومهم
بعد أن فشلت تضرعاتها
تساومهم
بعد أن رأت اللاضمير
يقدح شراً في قلوبهم
و شراراً في عيون خيولهم
تساومهم
بموتها مقابل حياة طفلتها!
سيميله
رصاصة باردة
و الهدف
جبين دافئ
لأم راكعة
قتلوها و ظنوا
أن رصاصهم من قتلها
لم يعرفوا أن قلبها قبل طلقتهم
مات في صدرها
و هي تبصر
من خلال فوهة بنادقهم
مصير طفلتها
كيف لهم أن يعرفوا
و في صدورهم
لا مكان لقلب طري كقلبها
جدتي
طفلة التاسعة
تركوها تبكي أمها
تشهق زفير آخر أنفاسها
و من عويل و صراخ البقية
بالكاد تسمع صوتها المتقطع يوصيها :
يوسف... يوسف.... ابحثي عن.... أخيـ...ك
جدتي
صغيرة
و جثة هامدة
علمتها ذات يوم
كيف تأكل، كيف تمشي
كيف تلعب بحذر
و لا تؤذي الصغار
علمتها كيف تصوم و تصلي
و ترسم شارة الصليب
علمتها كيف تحب الجميع
و تحترم الكبار
لكنها لم تعلمها
كيف تجرع المأساة
و تغمض عيون الموتى !
جدتي
طفلة بلا مرشد .... أين تذهب؟
طفولة و جهات أربع.... أي الجهات تختار للخلاص ؟
يوسف و شباب يقاتلون.... هل و أين يمكن أن تلقاه؟
جدتي و سيميله
طفلة في قافلة التائهين
لا وقت لحزنها و لا لحزن الآخرين
طفل في الثانية رأته
يبكي.. يصرخ
ليس حزناً على دماء متخثرة
لامرأة مستلقية بجانبه
إنما جوعاً و غضباً على ثدي
تجمد الحليب فيه
حملته
مشت به تارة
ركضت تارة
تعثرت تارة
قبل أن تستسلم لقدرة الطفولة .
و قبل أن تسلمه لقدره
قبلته
و من بقايا زوادة بقائها
أطعمته ما سد ثغرة جوعه
تلك الساعة
و هيهات
من و ما سيسد رمق يتمه
بعد ساعة
هذا إن أبقته الحياة على قيدها
سيميله
ساحات معارك
شباب يستشهدون
أبناء و أباء
بانتظار الشهادة
منهم من أقعده الدهر
و منهم من أقعده الإباء
سيميله
أمهات
مجبرات لا مخيرات
تخترن من بين أطفالهن
لا ما يسع له قلبهن
إنما من تقوين على حمله
تخترن
مَن من ورود جنة الحب
تدعس راكضة أمامهن
من تغتال لاحقة بهن
من تموت بين أحضانهن
سيميله
لم ينجو من ذكراها
من نجى من نيرانها
كل آب في سابعه
يلفظ في وجه تاريخ الهمجية
دماء شهدائها
جدتي و سيميله
أعوام مرت
كل يوم بدهر
تستيقظ قبل الفجر
ليس ترقباً لشاعرية بزوغه
إنما مللاً من ترقب الموت
في فراشها البارد
تقضي يومها
نادبة حظها حيناً
شاكرة ربها حيناً
باكية ذاك الطفل حيناً
باكية أمها كل حين
تنام
مستغفرة الله
مرددة صلاة الرحمة
رحمة من كابوس أيام
غدت مصيدة أحلامها السعيدة
هذا إن كانت تعرف السعادة
هذا إذا كانت قد تعلمت كيف تحلم
هذا إذا أسعفتها الصلاة و نامت
جدتي
طفلة الثمانين
كانت تقبلني
تعتذر من قلبي الصغير
لمشاهد رعب حكاية سيميله
تشكر إصغائي
قائلة : آه كم أحبك أيتها الصبية
سيميله و جدتي
سنونوتان في سقف ذاكرتي
حبر الألم في أقلامي
سيميله يا أولادي
حكاية
ما دام في الوريد قطرة
لن أنساها.
|